العيني
46
عمدة القاري
أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر ، كما في ( الصحيحين ) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في أثناء حديث ، قال فيه : ( ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ) . قال أبو هريرة : واقرأوا إن شئتم : * ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) * ( الإسراء : 78 ) : وفي الترمذي والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى : * ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) * ( الإسراء : 78 ) . قال : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار . وروى ابن مردويه في تفسيره من حديث أبي الدرداء مرفوعا نحوه ، وقال ابن عبد البر : ليس في هذا دفع للرواية التي ذكر فيها العصر . قلت : محصل كلامه أن ذكر الفجر في الحديث الذي استدل به القائل المذكور على أن ذكر العصر وهم غير صحيح ، لأن ذكر الفجر لا يستلزم نفي ذكر العصر ، ولا وجه لنسبة الراوي الثقة إلى الوهم مع إمكان التوفيق بين الروايات ، مع أن الزيادة من الثقة العدل مقبولة ، أو يكون الاقتصار في الفجر لكونها جهرية ، ولقائل أن يقول : لِمَ لا يجوز أن يكون تقصير من بعض الرواة في تركهم سؤال الذين أقاموا في النهار ؟ ولِمَ لا يجوز أن يحمل قوله : الذين باتوا ، على ما هو أعم من المبيت بالليل وبالإقامة بالنهار ، فلا يختص ذلك حينئذ بليل دون نهار ، ولا نهار دون ليل ، بل كل طائفة منهم إذا صعدت سئلت ؟ ويكون فيه استعمال لفظ : بات ، في أقام مجازا ، ويكون قوله : فيسألهم ، أي : كلاًّ من الطائفتين في الوقت الذي تصعد فيه ؟ ويدل على هذا ما رواه ابن خزيمة في ( صحيحه ) والسراج في ( مسنده ) جميعا عن يوسف بن موسى عن جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر ، فيجتمعون في صلاة الفجر ، فتصعد ملائكة الليل وتثبت ملائكة النهار ، ويجتمعون في صلاة العصر ، فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل ، فيسألهم ربهم : كيف تركتم عبادي ؟ . . . ) الحديث ، وهذا فيه التصريح بسؤال كل من الطائفتين . قوله : ( فيسألهم ) الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير ، واستعطافهم بما يقتضي العطف عليهم ، وقيل : كان ذلك لإظهار الحكمة في خلق بني آدم في مقابلة من قال من الملائكة * ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) * ( البقرة : 30 ) . الآية والمعنى : أنه قد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكم بنص شهادتكم . وقال عياض : هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة ، كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم ، وهو سبحانه وتعالى أعلم من الجميع بالجميع . قوله : ( كيف تركتم ؟ ) قال ابن أبي حمزة : وقع السؤال عن آخر الأعمال ، لأن الأعمال بخواتيمها . قال : والعباد المسؤول عنهم هم الذين ذكروا في قوله تعالى : * ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) * ( الحجر : 242 والإسراء : 65 ) . قوله : ( تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ) . فإن قلت : كان مقتضى الحال أن يبدؤا أولاً بالإتيان ثم بالترك ، ولم يراعوا الترتيب ؟ قلت : لأن المقصود هو الإخبار عن صلاتهم ، والأعمال بخواتيمها ، فناسب أن يخبروا عن آخر أعمالهم قبل أولها . وقال ابن التين : الواو ، في قوله : ( وهم يصلون ) واو الحال ، أي : تركناهم على هذه الحال . فإن قلت : يلزم من هذا أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة ، فلم يشهدوها معهم ، والخبر ناطق بأنهم شهدوها . قلت : الخبر محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها ، وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك ، ومن شرع في إسباب ذلك . فإن قيل : ما الفائدة في قولهم ( وأتيناهم ) ؟ وكان السؤال عن كيفية الترك ؟ وأجيب : بأنهم زادوا في الجواب إظهارا لبيان فضيلتهم ، وحرصا على ذكر ما يوجب مغفرتهم ، كما هو وظيفتهم فيما أخبر الله عنهم بقوله : * ( ويستغفرون للذين آمنوا ) * ( غافر : 7 ) ذكر ما يستفاد منه فيه : أن الصلاة أعلى العبادات ، لأنه عليها وقع السؤال والجواب . وفيه : التنبيه على أن الفجر والعصر من أعظم الصلوات ، كما ذكرناه . وفيه : الإشارة إلى شرف هذين الوقتين ، وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح ، وأن الأعمال ترفع آخر النهار ، فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه وفي عمله . وفيه : إشارة إلى تشريف هذه الأمة على غيرها ، ويلزم من ذلك تشريف نبينا على غيره من الأنبياء ، عليهم السلام . وفيه : الإيذان بأن الملائكة تحب هذه الأمة ليزدادوا فيهم حبا ويتقربون بذلك إلى الله تعالى . وفيه : الدلالة على أن الله تعالى يتكلم مع ملائكته . وفيه : الحث على المثابرة على صلاة العصر ، لأنها تأتي في وقت اشتغال الناس ، وقال بعضهم : استدل بعض الحنفية بقوله : ( ثم يعرج الذين باتوا فيكم ) على استحباب تأخير صلاة العصر ، ليقع عروج الملائكة إذا فرغ منها آخر النهار ، ثم قال : وتعقب بأن ذلك غير لازم ، إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة ، بل جائز أن تفرغ الصلاة ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار ، ولا مانع أيضا من أن تصعد ملائكة النهار وبعض النهار باق ، ويقيم ملائكة الليل . انتهى . قلت هذا